القرطبي
157
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف . ويحتمل أن يقال : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) في حال ضجر أو غضب ، فهذا كله يتناول النهي . وقد أحتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين أمتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه منه ، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئا . خرجه أبو داود وغيره ، وسيأتي . قوله تعالى : ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف تصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ( 30 ) ( ذلك ) إشارة إلى القتل ، لأنه أقرب مذكور ، قاله عطاء . وقيل : هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس ، لان النهي عنهما جاء متسقا مسرودا ، ثم ورد الوعيد حسب النهي . وقيل : هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا ، من أول السورة إلى قوله تعالى : ( ومن يفعل ذلك ) . وقال الطبري : ( ذلك ) عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد ، وذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) لان كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد ، إلا من قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ) فإنه لا وعيد بعده إلا قوله : ( ومن يفعل ذلك عدوانا ) . والعدوان تجاوز الحد . والظلم وضع الشئ في غير موضعه ، وقد تقدم ( 1 ) . وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط ، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما ، وحسن ذلك في الكلام كما قال : * وألفى قولها كذبا ومينا ( 2 ) * وحسن العطف لاختلاف اللفظين ، يقال : بعدا وسحقا ، ومنه قول يعقوب : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ( 3 ) ) . فحسن ذلك لاختلاف اللفظ . و ( نصليه ) معناه نمسه حرها . وقد بينا
--> ( 1 ) راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 309 ( 2 ) هذا عجز بيت لعدى بن زيد ، وصدره : * فقددت الأديم لراهشيه * ( 3 ) راجع ج 9 ص 249 .